لم يعد الجفاف في سوريا أزمة موسمية عابرة. هذا التقرير يوضح كيف يفاقم تغيّر المناخ ندرة المياه ويهدد الزراعة والأمن الغذائي، وما الحلول المطروحة لتفادي الأسوأ.
ميليا اسبر
{
"authors": [
"سيما بيتنجانة"
],
"type": "commentary",
"blog": "صدى",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "Carnegie Endowment for International Peace",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"الشرق الأوسط",
"سورية"
],
"topics": [
"الإصلاح السياسي",
"السياسة الداخلية",
"دعم الديمقراطية"
]
}المصدر: Murat Gok/Anadolu via Getty Images
وعدت المرحلة الانتقالية في سوريا ببداية جديدة، لكن هل تعود أساليب الحكم القديمة بثوب جديد؟ يناقش هذا المقال مؤشرات ذلك وما يلزم لبناء دولة أكثر شفافية ومساءلة.
لم تكن الاحتفالات التي عمت سوريا بسقوط حكم بشار الأسد في ديسمبر ٢٠٢٤، مجرد فرحة بانتهاء حقبة من الحكم الدكتاتوري القمعي، بل كانت تعبيراً شعبياً صادقاً عن حلم بوعد طال انتظاره تتغير فيه العلاقة بين الدولة والمجتمع ويصاغ فيه عقد اجتماعي جديد، غير أن الحكومة الانتقالية التي تولت الحكم بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وفي مدةٍ لم تتجاوز الثمانيةَ عشرَ شهراً، بدأت في اتباع أنماط حوكمة تكاد تتطابق مع أساليب الحكم التي طالما اتبعها نظام الأسد البائد.
تتناول الورقة التالية من خلال ما تقدمه من أدلة صورة تستحق الدراسة والتأمل عن مجموعة من أنماط الحوكمة تلك. فعلى سبيل المثال عمد الرئيس الشرع إلى تعيين أفراد أسرته ومُواليه المخلصين من " هيئة تحرير الشام" بشكل حصري في مواقع قيادية تتيح لهم التحكم في القرارات الاقتصادية والأمنية الهامة، وانبرى في الوقت نفسه لتعميم استخدام نموذج "حوكمة الإنقاذ"، الذي كان الغرض الرئيس منه إدارة منطقة معارضة محدودة في إدلب، ليصبح النموذج المتبع في إدارة دولة معقدة يبلغ تعداد سكانها ما يقارب ال ٢٦ مليون نسمة.
وعلى الصعيد المقابل، أسهمت خمسة عقود من تطبيع المحسوبية اجتماعياً إلى ترسيخ أنماط سلوكية تمتد من قاعدة المجتمع السوري إلى قمته، إذ أصبح السوريون الساعون للحصول على خدمات من مؤسسات الدولة يتجهون تلقائياً للنظام الوحيد الذي اعتادوه، وهو الاعتماد على الواسطة والعلاقات مع مراكز النفوذ الجديدة، بدلاً من المطالبة بمؤسسات تتسم بالشفافية والمساءلة، ومالم يسارع صانعو القرار بالتدخل لتعديل البنية المجتمعية فإن سوريا ستواجه خطر العودة إلى ظلام نظام استبدادي جديد ينتج الظروف ذاتها التي أسهمت في اندلاع الحرب الأهلية.
وتطرح الورقة سؤالاً محورياً هاماً: هل تسعى الحكومة السورية الانتقالية إلى ترسيخ نظام باتريمونيالي1 يعاني من نفس العوار البنيوي الذي شاب النظام السابق والذي تمثل في تفشي المحسوبية واستشراء شبكات الرعاية والولاء، وهي العوامل التي أسهمت في اندلاع انتفاضة عام ٢٠١١ وتسببت في حرب دامية استمرت ١٤ عاماً؟ وما هي السياسات الواجب اتباعها لمنع ترسخ هذا النمط من الأنظمة؟
والحقيقة أن هذا السؤال يكتسب أهمية كبيرة في ظل احتياج الدولة السورية لمليارات الدولارات لإعادة الإعمار، وهي المليارات التي تعتمد على مَنح أو مَنع الفاعلون الدوليون، وتتضاعف أهمية هذا السؤال ايضاً بسبب هشاشة النسيج المجتمعي السوري وارتفاع مخاطر تجدد أعمال العنف والصراعات الطائفية، إلى جانب ارتباط الأمن الإقليمي بقدرة البلاد على النجاح في تحقيق الاستقرار بدلاً من الاستمرار في تصدير موجات النزوح والصراع.
تواجه الحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع تحدياً هائلاً يتمثل في إرث أربعة عشر عاماً من الحرب التي دمرت مؤسسات الدولة وأدت إلى استنزال عقوبات دولية، تضافرت آثارها مع عمليات النهب الممنهجة التي مارسها نظام الأسد في استنزاف احتياطات المصرف المركزي وتقليص حجم الاقتصاد بنحو ٨٥ في المئة منذ عام ٢٠١١.
وقد تعمد نظام الأسد السلطوي على مدى العقود التي أمضاها في الحكم الحيلولة دون قيام مؤسسات مستقلة إذ كانت الوزارات والمحاكم وأجهزة الخدمة المدنية جميعها خاضعة للقصر الجمهوري بدلاً من الاحتكام إلى إطار قانوني ومؤسسي، وهو ما يعني أن الحكومة الانتقالية الحاكمة اليوم لا يمكنها أن تكتفي بإصلاح المؤسسات القائمة وحسب، بل سيتعين عليها إحيائها من الممات بينما تحاول أن توازن الضغوط التي يفرضها عامل الوقت ومحدودية الموارد وانعدام التفويض الديموقراطي، وفي ضوء كل هذا قد يكون منطقياً أن تعتمد الحكومة الجديدة على " شبكات الولاء" وعناصرها الموثوق بها. فالحكومة ترى أن مُواليها من هيئة تحرير الشام الذين عهدت لهم بشغل المناصب الاقتصادية والأمنية العليا في البلاد يتمتعون بخبرة تنظيمية وإدارية، قَل إن تتوفر لغيرهم، ستساعدها في إدارة المناطق الخاضعة لسلطة أحمد الشرع.
فضلاً عن ذلك، فإن السبب الفعلي لاختيار الفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا والمملكة العربية السعودية، لأحمد الشرع ليكون شريكاً لهم في هذه المرحلة هو قدرته على ضبط الفصائل التي طالما حاربت بعضها البعض في الماضي، وهي مهمة قد لا يستطيع غيره إنجازها في الوقت الراهن. غير أن هذه الفصائل لن تنسحب من الساحة بمجرد الإعلان عن تشكيل حكومة انتقالية. فقيادات هيئة تحرير الشام وأمراء الحرب المحليون والشبكات المسلحة التي قبلت الخضوع لسلطة الشرع خلال الحملة العسكرية لا يمكن استبعادها ببساطة بمجرد وصوله إلى السلطة. وبالتالي فإن ما تعرضه هذه الورقة من أدلة على قيام الحكومة الانتقالية بتعيين الأقارب وتمرير التعاقدات المريبة وإجراء تسويات تحكمها المصالح، يمكن تشبيهها بعملية توزيعٍ للغنائم يهدف للحفاظ على تماسك ائتلافات هشة ومنعها من الانقلاب على السلطة الجديدة. فالقائد الذي يدير فصائل عسكرية لم يمر على ائتلافها إلا وقت قصير، مثل فصائل الجيش السوري الحر والجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، قد يرى في الشفافية والتعيينات القائمة على الكفاءة والاستحقاق وحسب، تهديداً وجودياً لمنصبه السياسي، ولا شك بأن هذه القيود مجتمعة تقف عقبة كؤود أمام أي دعوات أو وصفات للإصلاح المؤسسي.
إلا أن الأطروحة التي تقدمها هذه الورقة لا ترى أن ترسيخ الحكم الباتريمونيالي هو الحل الوحيد الممكن لمجابهة هذه القيود والتغلب على تلك العقبات، ولكنها تقترح بأن هذا الترسيخ هو السياسة التي تتبناها الدولة السورية حالياً، وتحذر هذه الدراسة من أنه في غياب الرقابة والمساءلة الديموقراطية فإن القرارات التي تتخذها الحكومة اليوم قد تحدد الطابع البنيوي للدولة في المستقبل، وهو طابع قد ينتج عنه شكل جديد من أشكال الحكم السلطوي.
يمكن الاستدلال على تبني الحكومة الانتقالية السورية لنمط الحكم الباتريمونيالي من خلال ثلاث آليات رئيسة: أولها احتكار العائلة لمراكز النفوذ الاقتصادي، وثانيها التعيينات القائمة على تحري الولاء بدلاً من تحري الكفاءة، وثالثها التعاملات المالية التي يكتنفها الغموض.
بالنسبة لأول هذه الآليات فإن تركيز السلطة داخل إطار عائلة الرئيس أحمد الشرع يعيد للأذهان ما ساد خلال فترة حكم عائلة الأسد، فعندما أعلن الشرع تشكيل حكومته الانتقالية خلال مراسم أقيمت في القصر الرئاسي في ٢٩ مارس/ آذار ٢٠٢٥، كان قد بدأ بالفعل في إحكام قبضته على كافة مفاصل الدولة، حيث قام الرئيس بتعيين شقيقه، حازم الشرع، في منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، وأولاه قيادة الهيئة المسئولة عن إدارة أصول تقدر قيمتها بنحو ١.٦ مليار دولار تم الاستحواذ عليها من شخصيات ارتبطت بعهد الأسد البائد، ويدير حازم عدداً من اتفاقات التسوية الهامة التي تتم مع شخصيات محسوبة على النظام السابق، ويرأس صندوق الثروة السيادي الذي يتلقى استثماراتٍ محلية ودولية، فضلاً عن ترأسه لشركة "سيرياتل" وهي أكبر شركات الاتصالات في سوريا والتي كان يمتلكها سابقاً رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد.
أما ماهر الشرع، الشقيق الآخر للرئيس، فيشغل منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، ويرافق الرئيس في العديد من المناسبات رفيعة المستوى، كما يترأس اجتماعات مجلس الوزراء في بعض الأحيان. أما منصب محافظ دمشق فيشغله صهر الرئيس.
ويجدر بالذكر هنا أن خمسة من أفراد عائلة البدوي، الذين تربطهم علاقات قرابة بالرئيس أو بزوجته، وكانوا سابقاً من كبار المسئولين في حكومة الإنقاذ في إدلب، يشغلون جميعاً عدة مناصب عامة في الحكومة الحالية.
أما ثاني الآليات المُرسِّخة لهذا النمط فتتمثل في التعيين الممنهج لعدد من الأعضاء السابقين في هيئة تحرير الشام في مواقع اقتصادية مفتاحية. فقد تم تعيين محمد عمر قديد، وهو أحد الضباط السابقين النافذين بالهيئة، رئيساً للجهاز المركزي للرقابة المالية دون أي إعلان رسمي مسبق عن المنصب، ويتولى قديد كذلك إدارة جميع محطات الوقود التابعة للدولة من خلال شركة " طيبة للمحروقات" التي يمتلكها، ويمتلك كذلك " بنك الشام" الذي تأسس في إدلب عام ٢٠٢٠ وسُجِّل في تركيا وإن كان المصرف السوري المركزي لم يعترف به، وفي أبريل ٢٠٢٥، أعلنت وزارة المالية أن منصة "شام كاش" التي يمتلكها قديد ايضاً هي الوسيلة الوحيدة لصرف رواتب موظفي الدولة دون الإعلان عن أي مناقصة تنافسية.
وسواء كانت هذه التعيينات ومثيلاتها تعكس توجهات فردية أو محاولة لتعميم نموذج «حكومة الإنقاذ» في إدلب على المستوى الوطني، فإن هذا النموذج وإن كان قد أثبت فاعليته في إدارة منطقة معارضة صغيرة ومتجانسة نسبياً عبر شبكات شخصية، إلا أنه يفتقر بصورة جوهرية إلى القدرات التكنوقراطية، والتنوع المجتمعي، والتعقيد المؤسسي اللازم لحكم نحو 25 مليون سوري.
أما الآلية الثالثة التي تتبعها الحكومة فتتمثل فيما يتم إجراؤه من تسويات مريبة مع مجرمين اقتصاديين محسوبين على نظام الأسد، فبينما يشغل المخلصون من هيئة تحرير الشام مناصب حكومية، يحصل اتباع نظام الأسد البائد ومترفيه الفاسدين على تسويات خاصة تسمح لهم بمواصلة انشطتهم التجارية.
وتحتفظ لجنة مكافحة الكسب غير المشروع بقائمة تضم أكثر من ٩٠٠ اسم من المطلوبين للعدالة، إلا أن شخصيات بارزة معروفة بأدوارها في الاقتصاد غير القانوني، مثل محمد حمشو (الذي تقدر ثروته بنحو ٨٠٠ مليون دولار) وسامر الفوز وسليم دعبول قد تفاوضت على تسويات سرية، على الرغم من أن كلاً من هؤلاء الثلاثة قد بنى ثروته بالاستفادة من الحرب ومن علاقاتهم الوثيقة مع عائلة الأسد، فعلى سبيل المثال اشتهر محمد حمشو بتحقيق أرباحه من استخراج المعادن من المباني التي دمرتها غارات النظام ومن ثم صهرها، ولكن ذلك لم يمنعهم من مواصلة أعمالهم من دون أي ملاحقات قضائية.
ولا توجد أي آلية تسمح بالمحاسبة العلنية أو بالإعلان عن قيم التسويات أو نسبة الأصول التي تمت مصادرتها مقابل تلك التي سمح لهم بالاحتفاظ بها ولا بوجهة الأموال المستردة.
وأكثر ما يخشى من تفشي هذه الأنماط هو أن الغموض والمحاباة قد يصبحان هما نمط الحكم السائد في الحكومة الانتقالية.
في العادة تتمكن النخب الثرية من الاستحواذ على السلطة ومقدرات الدولة بفضل توفر ظروف بنيوية سانحة. على رأس تلك الظروف أربعة عوامل تسهم جميعها في خلق مناخ يتيح لنظام الرعاية والمحسوبية أن يصبح هو المسار المطروق والسهل، وهي: غياب المظلة الديموقراطية، وانعدام الشفافية، وتفشي استخدام المبررات الخطابية التي تؤدي إلى إرجاء عمليات المساءلة، وأخيراً وليس آخراً ترسخ وتطبيع فكرة الواسطة والمحسوبية التي تراكمت في الوعي الجمعي للشعب على مدار خمسون عاماً من الحكم القمعي حتى أصبحت جزءاً من تكوينه النفسي.
يتسبب الفراغ الديموقراطي في توفير المناخ الخصب لاستشراء الظاهرة الباتريمونيالية، فبعد مرور أكثر من عام على سقوط بشار الأسد لا تزال سوريا بلا برلمان منتخب، ويتم تمرير القرارات الاقتصادية الهامة من خلال مراسيم مباشرة يصدرها رئيس الدولة في تجاوز واضح لحدود السلطة التنفيذية. كذلك لا يوجد حتى اللحظة سلطة قضائية مستقلة تتولى مراجعة القرارات التنفيذية التي يصدرها الرئيس، أما الإصلاحات والتشريعات الضرورية لنهضة الدولة فلا تزال تنتظر مصادقة برلمانية معلقة إلى أجل غير مسمى.
ومن ناحية أخرى، تواجه منظمات المجتمع المدني الناشئة عقبات كؤود في استصدار التراخيص وإجراءات التسجيل، وتتطلب المظاهرات السلمية الحصول على موافقات أمنية مسبقة، وفي ظل غياب المؤسسات الديموقراطية التي تضع الضوابط التي تضمن كبح جماح السلطة التنفيذية، لن تواجه الحكومة السورية أي عوائق بنيوية حقيقية تحول دون استمرارها في تبني النموذج الباتريمونيالي الذي تتبعه حالياَ.
يتسبب الفراغ الديموقراطي في غياب الشفافية واعتماد الغموض كسياسة عامة، والحقيقة هي أن نشر تقارير ربع سنوية عن صندوق الثروة السيادي أو الإفصاح عن مبالغ التسويات أو نشر تفاصيل عن العقود المبرمة مع أشخاص أو هيئات بعينها لا يتطلب بنية مؤسسية معقدة، بل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، ومن ثم فإن الغياب المخل للشفافية في هذه الممارسات يدلل بوضوح على وجود تعمد لإخضاع عمليات اتخاذ القرار للتقدير الشخصي.
ويمارس الصندوق السيادي للتنمية أعماله بلا استراتيجية استثمار معلنة وبدون الإفصاح عن تشكيل مجلس إدارته أو إصدار تقارير فصلية توضح أداءه وأنشطته. وبالمثل، تمارس لجنة التوريد والمشتريات أعمالها من دون طرح مناقصات عامة، إذ يُعلَن عن الجهات الفائزة بالعقود من غير نشر معايير الاختيار أو الإفصاح عن حالات تضارب المصالح المحتملة. كما تظل إجراءات المناقصات في قطاع النفط غير معلنة للرأي العام، وتُمنح العقود من دون أي قدرٍ يُذكر من الإفصاح أو الشفافية وهي مسألة في غاية الخطورة نظراً لما شكلته عائدات النفط خلال عهد الأسد من مرتع للفساد واستغلال النفوذ والمحاباة.
تستخدم الحكومة الحالية نفس الخطاب الذي استخدمه الأسد على مدار خمسة عقود والذي يتمحور حول احتياج سوريا للاستقرار قبل اجراء اية انتخابات، وأن الشفافية يمكن تأجيلها إلى حين تصبح مؤسسات الدولة أكثر قوةَ ورسوخاً، وأن اتباع الآليات الديموقراطية سيؤدي إلى خلق الفرقة والانقسام خلال مرحلة إعادة الإعمار، وأن القرارات الاقتصادية تتطلب سرعة وكفاءة قد تعوقها آليات الرقابة والإشراف، وبينما تروج الدولة لهذه الأفكار لا تحاول حتى أن تقترح جدولاً زمنياً واضحاً يحدد متى سيحدث هذا الاستقرار المنشود، بل تعمل بالفعل على تحويل مبدأ " الاستقرار أولاً" إلى أداة لتأجيل الإصلاحات السياسية إلى أجل غير معلوم وهي الاستراتيجية التي استخدمها نظام الأسد من قبل. والمقلق بالفعل أن هذا الخطاب بدأ يحظى بتأييد متزايد بين الشرائح المؤيدة للسلطة وأصبح يُستخدم لإسكات الأصوات الناقدة.
أحد أبعاد نمط الحكم الباتريمونيالي في سوريا، وهو بُعد لم يحظ بما يستحقه من اهتمام تحليلي، هو أن قدرة هذا النمط على البقاء لا تخضع لإرادة الطبقة الحاكمة وحسب، بل تنبع وبنفس القوة من مرتكزات المجتمع نفسه. فخمسون عاماً من الحكم السلطوي لم تنجح في ترسيخ نظام المحسوبية والرعاية الأبوية بين مؤسسات الدولة فقط، بل أسهمت كذلك في إنتاج شعب يؤمن بهذا النظام ويعتمد عليه في حياته، إذ تعلم المواطنون من خبراتهم اليومية أن الدولة الرسمية ليست سوى واجهة شكلية، وأن الحصول على تراخيص يتطلب معارف نافذون وأن إبرام العقود يحتاج إلى علاقات ونفوذ وأن استراتيجية البقاء الوحيدة التي اثبتت نجاحها تكمن في العثور على "واسطة" مناسبة من بين مراكز القوى الحاكمة.
واليوم وبعد عقود من ترسخ هذه الممارسات في العقلية الجمعية السورية بدأت هذه السلوكيات تتكرر في علاقة قطاعات من الشعب مع السلطة الجديدة بشكل يوحي بقدر من التقبل لنظام المحسوبية بوصفه آلية طبيعية لإدارة الشأن العام، وهو ما يعني وضع المزيد من العراقيل أمام عملية الانتقال السياسي.
وتبرز مؤشرات مبكرة تنذر باستشراء هذه الظاهرة في جوانب متعددة من الحياة العامة في سور يا. على سبيل المثال كان الاعتراض الشعبي على شغل أعضاء هيئة تحرير الشام لمواقع رئيسة في مؤسسات الدولة محدوداً للغاية، وتقبلت الجماهير بما يشبه الاستسلام والتسليم التسويات المريبة والغامضة التي تمت مع رجال الأعمال الموالين للنظام البائد، كذلك كانت ردود الفعل المجتمعي على غياب جدول زمني واضح لإجراء الانتخابات البرلمانية ضعيفة للغاية. وباستثناء بعض الاحتجاجات الصغيرة التي وقعت في بعض المدن الحضرية وبعض التفاعلات المحدودة على وسائل التواصل الاجتماعي لا توجد حتى الآن مطالبات شعبية يعتد بها تضغط باتجاه تعزيز الشفافية في التعيينات الحكومية أو وضع خطط قصيرة أو متوسطة المدى لتنظيم انتخابات حرة سواء كانت تشريعية أو رئاسية.
وبدلاً من التركيز على المطالبة بإصلاحات مؤسسية حقيقية يجتهد السوريون الآن في محاولة فهم شبكات النفوذ الجديدة وكيفية اختراقها للوصول إلى الوسطاء والفاعلون الجدد.
بل إن ما هو أسوأ من ذلك هو أن بعض الموالين للحكومة بدأوا في توظيف خطاب سياسي يهدف إلى إسكات الأصوات الناقدة ووصمها بأنها من "فلول" النظام السابق، وكثيراً ما يترافق هذا الخطاب مع استعراض للقوة خلال التحركات السلمية التي تطالب بحقوق أو خدمات أساسية، حيث يرفع موالو الحكومة أعلام هيئة تحرير الشام ويتبنون رموزاً وشعارات إسلامية ويتهمون المتظاهرون بالخيانة.
ولا شك بأن كسر أنماط النظام الباتريمونيالي يتطلب ما هو أكثر من الإصلاحات التي تفرضها الحكومة، فهو يستوجب قراراً مجتمعياً واعياً بالانسلاخ عن نمط سلوكي راسخ يروج للفساد، والمطالبة بأنظمة ترتكز على الجدارة والشفافية. ولكن المطالبة بالشفافية يستوجب الإيمان بإمكانية تحقيقها وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، حيث أن خمسون عاماً من تطبيع الفساد قد أفرزت حالة من الشك العام جعلت معظم السوريون لا يؤمنون بإمكانية قيام حوكمة ترتكز على الشفافية.
أحد أبرز المخاطر المباشرة للنظام الباتريمونيالي هو أن بنيته الأساسية تتعارض تعارضاً مباشراً مع مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وهو ما قد يفضي إلى إنتاج مظالم جديدة قد تُسهم في إعادة تأجيج التوترات والصراعات الطائفية.
يحمل إطار العدالة الانتقالية الذي أعلنته الحكومة السورية، من خلال مرسوم رقم ٢٠ لسنة ٢٠٢٥، عواراً داخلياً جعل تطبيقه بصورة متكافئة مسألة في غاية الصعوبة، فقد أنشأ المرسوم هيئة معنية بالنظر في الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد قبل ٨ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٤، إلا أن نطاق اختصاصها استثنى الجرائم التي ارتكبتها الجهات غير الحكومية خلال سنوات الحرب الأربعة عشر وكذلك الجرائم التي ارتكبتها مجموعات مرتبطة بالحكومة بعد سقوط الأسد، وبالتالي فعندما تعقد الحكومة تسويات سرية مع أفراد أو جهات ساهمت في تمويل آلة الحرب التابعة للنظام السابق تحت مرأى ومسمع عائلات الضحايا الذين يشاهدون هؤلاء المذنبين يفلتون من المساءلة القانونية، فإن ثقتهم بإمكانية تحقيق العدالة تتآكل تدريجياً.
وهنا تبرز مفارقة بنيوية واضحة، فبينما تحال الجرائم السياسية إلى آليات ملاحقة ومحاسبة رسمية، تبقى الجرائم الاقتصادية التي أسهمت في تمكين تلك الجرائم السياسية خاضعة للتسويات الخاصة.
وما يزيد الطين بلة أن هذا النوع من العدالة الانتقائية يتقاطع تقاطعاً خطيراً مع ابعاد طائفية لا يمكن تجاهلها، فاحتكار الشبكات التابعة لهيئة تحرير الشام للمناصب الحكومية والاقتصادية يخلق نوعاً من الإقصاء المجتمعي أفضى بالفعل إلى تفشي العنف، وعلى سبيل المثال تعرضت عدة عائلات علوية في طرطوس لعمليات قتل انتقامية دامية خلال آذار/ مارس ٢٠٢٥، واتخذت الحكومة إجراءات أمنية مشددة بحق بعض التجمعات الدرزية، ووقعت اشتباكات عنيفة بين الدروز والعشائر العربية في السويداء خلال تموز/يوليو، تم خلالها توثيق مشاركة أفراد يبدو من ملابسهم أنهم يتبعون الأجهزة الأمنية للدولة، إضافة إلى كل هذا أودى هجوم إرهابي بحياة عشرين مصلياً أثناء قداس الأحد في كنيسة للروم الأرثوذكس قرب دمشق في حزيران/ يونيو، وعزت الحكومة أعمال العنف هذه إلى " عناصر غير منضبطة" أو " تجاوزات فردية" من دون أن تحاول أن تفي بوعودها في ملاحقة مرتكبيها.
ولكن مع تكرر الإقصاء الاقتصادي والسياسي باعتماد العدسة الطائفية وباستخدام أطر الهوية والانتماء الاجتماعي، تبدأ جماعات مثل العلويين والدروز والأكراد والمسيحيين وغيرهم، في استشعار رسالة التهميش المشتركة التي تًصَدَّر لهم والتي ينتج عنها مظالم متوازية عدة تزيد من احتمالات اندلاع صراعات أهلية جديدة أو إعادة إنتاج الظروف التي أدت إلى اندلاع انتفاضة عام ٢٠١١ ذاتها. فالانتفاضة لم تستهدف نظام الأسد وحسب، بل استهدفت النظام الباتريمونيالي وما ينتج عنه من المحسوبية القائمة على الإقصاء الاقتصادي والفساد وتغول السلطة والاعتماد على العلاقات الشخصية لتحقيق النجاح. وتعكس المؤشرات المبكرة اليوم أنماطاً مشابهة لفترة ما قبل ٢٠١١، من حيث الاحتجاجات العمالية والقرارات الاعتباطية والشكاوى من التفاوتات الإقليمية واستشراء التهميش، فضلاً عن العقبات التي تواجه النشاط الاقتصادي الذي لا يعتمد على العلاقات الشخصية، وإن كان السوريون قد انتفضوا ضد منظومة الرعاية والمحسوبية التي سادت في عهد الأسد، فإن السؤال الهام الآن هو: ما الذي يجبرهم على قبول نموذج مماثل تحت إدارة جديدة؟
لا شك في أن الدولة السورية في سباق حاسم مع الزمن، خاصة مع ترسخ النظام الباتريمونيالي الذي كلما استقر ورمى بجذوره كلما أصبح من الصعب انتزاعه من النسيج السلوكي للحكومة وللشعب معاً، ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للتدخل السريع لمعالجة سلوكيات النخب وتوقعات المجتمع.
وإن كانت الحكومة السورية حريصة على عدم إعادة إنتاج إخفاقات مرحلة الأسد، فلا محيص عن اتخاذ إجراءين فوريين من شأنهما أن يعكسا التزامًا حقيقيًا بالتغيير. أولًا، تحديد موعد نهائي لإجراء الانتخابات البرلمانية، إذ إن وجود برلمان منتخب يُعدّ ضروريًا للمصادقة على الدستور، وتفعيل الرقابة الديمقراطية، وتمكين المواطنين من مساءلة الحكومة. ثانيًا، نشر جميع البيانات الاقتصادية بشكل فوري، بما في ذلك تسويات استرداد الأصول التي تمت والإعلان عن كافة تفاصيلها من حيث الأسماء، والمبالغ، والشروط، وجهة التخصيص، ونشر بيانات وأصول الصندوق السيادي وآليات إدارته، وجميع العقود الحكومية التي تتجاوز قيمتها 100 ألف دولار مع أسماء المستفيدين ومعايير الاختيار.
بالنسبة للمجتمع المدني السوري وأصحاب المهن: فإن أكثر الاستراتيجيات فاعلية لمواجهة نظام المحسوبية هو مضاعفة التكلفة المجتمعية لمثاقب انعدام الكفاءة. وهو ما يعني تتبع مدى توافق مؤهلات المُعيَّنين مع متطلبات المناصب التي يشغلونها، ونشر تقارير تُظهر الحالات التي كان فيها توفر الخبرة ضروريًا. كما ينبغي ربط إخفاقات الحوكمة، ومشكلات تقديم الخدمات، وتأخر عمليات إعادة الإعمار، وسوء الإدارة الاقتصادية، بتعيينات محددة لغير المؤهلين.
ومن المهم كذلك بناء تحالفات مهنية عابرة للانقسامات الطائفية، بحيث يجتمع المهندسون والأطباء والاقتصاديون والمحامون من مختلف المكونات المجتمعية معًا للمطالبة بتعيينات قائمة على الجدارة وبمناقصات تنافسية.
ويُفضَّل تأطير هذه المطالب بوصفها معايير مهنية لا مواقف سياسية، فعندما تتوحد النقابات والهيئات المهنية، متجاوزة الانقسامات الطائفية، حول معيار كفاءة الحوكمة، فإن ذلك يسهم في منع تحويل المظالم الاقتصادية إلى مظالم طائفية صرفه.
بالنسبة للمجتمع الدولي والجهات المانحة: يمتلك الفاعلون الدوليون نفوذًا مهمًا من خلال ما يقدمونه من مساعدات إعادة الإعمار والاستثمارات واسعة النطاق، ويمكن توظيف هذا النفوذ عبر ربط المساعدات والاستثمارات بمعيارين أساسيين: نشر المؤهلات الوظيفية لجميع كبار المسؤولين عن هيئات إدارة الأموال، وإخضاع عمليات إسناد العقود لآليات مراقبة مستقلة مع إصدار تقارير فصلية علنية حول إرساء العقود.
كما ينبغي صرف التمويل على دفعات مرتبطة بالامتثال الفعلي لهذه المعايير، وليس بناءً على التعهدات، وفي الوقت نفسه، دعم القدرات المهنية السورية خارج الأطر الحكومية، من خلال تمويل مراكز الأبحاث السورية المستقلة، والجمعيات المهنية، والهيئات الاستشارية التقنية التي تقدم تحليلات خبيرة ومهنية، وكذلك إنشاء آليات تتيح للخبرات السورية في الشتات المساهمة عن بُعد، دون اشتراط الارتباط بشبكات نفوذ أو علاقات داخلية داخل هيئة تحرير الشام.
ولا تتطلب هذه التوصيات تدخلًا عسكريًا، ولا تغييرًا للنظام، ولا فرض عقوبات اقتصادية، بل مجرد تطبيقٍ متسقٍ للشروط من قبل الفاعلين الذين يخططون أصلًا للاستثمار في إعادة إعمار سورية، فالسؤال لا يتعلق بما إذا كان الفاعلون الدوليون مهتمون فعلياً بما يجري في سوريا، إذ إن مسار التطبيع مع جامعة الدول العربية، ورفع العقوبات الأمريكية في أيار/مايو وكانون الأول/ديسمبر 2025، فضلًا عن إعادة إرساء اتفاق التعاون الأوروبي–السوري مؤخرًا، قد أجاب فعليًا عن هذا السؤال. أما السؤال الجوهري الذي لا يزال ينتظر الإجابة فهو ما إذا كان هذا الاهتمام سيُسهم في ترسيخ ٍأنماط المحسوبية والرعاية أم أنه سيخلق حوافز تدفع نحو حوكمة شفافة قائمة على الجدارة والاستحقاق.
سيما بيتنجانة
سيما بيتنجانة باحثة متخصصة في شؤون السياسة والحوكمة في الشرق الأوسط، مع تركيز خاص على المرحلة الانتقالية في سوريا. انتقلت سيما إلى مجال السياسات العامة بعد مسيرة مهنية سابقة في الهندسة وتخطيط أنظمة الطاقة، وتحمل درجة الماجستير في السياسات العامة الدولية من كلية الدراسات الدولية المتقدمة (SAIS) بجامعة جونز هوبكنز. كما عملت في مجال البحوث لدى معهد السياسة الخارجية، ومؤسسة كارنيغي، وجامعة جونز هوبكنز.
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
لم يعد الجفاف في سوريا أزمة موسمية عابرة. هذا التقرير يوضح كيف يفاقم تغيّر المناخ ندرة المياه ويهدد الزراعة والأمن الغذائي، وما الحلول المطروحة لتفادي الأسوأ.
ميليا اسبر
تستضيف مؤسسة كارنيغي السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي في حوارٍ لمناقشة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، محذرًا من أن الحرب على إيران خطأ استراتيجي سيدفع المنطقة والعالم نحو مزيدٍ من التصعيد.
أنجي عمر
من أبطال الأنمي إلى مجتمعات الألعاب الإلكترونية، يبني جيل زيد في المغرب ثقافة احتجاج جديدة، فماذا تكشف هذه المخيلة الرقمية عن السياسة لدى الشباب؟ وكيف ينبغي للمؤسسات أن تتعامل معها؟
عبد الإله فرح
في شرق أوسط متقلب، يقدم ميناء الدقم العماني الاستقرار والحياد والفرص. هل يمكن أن يصبح هذا الميناء الخفي الملاذ الآمن والأمثل للتجارة العالمية؟
جورجيو كافييرو, صموئيل راماني
هل تحمي سياسة الهجرة في المغرب مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء، أم تُديرهم بمنطق أمني وسياسي؟ يناقش هذا المقال الثغرات القائمة ويستعرض إمكانيات إدماج أكثر عدلًا وإنصافًا.
سفيان الكمري